غاز غزة وحصان طروادة الإسرائيلي

2014931337RN683

طارق بقعوني

تجددت مؤخرا الجهود الرامية للسماح باستكشاف احتياطات الغاز الواقعة قبالة سواحل غزة. وهو تغيرٌ تام ومحير. فلا شك في أن تطوير حقل الغاز سيعود بالنفع، لأنه قد يتيح للفلسطينيين امتلاك قطاع طاقة مستقل وتنافسي. لكن، لا بد لنا من أن ننظر لهذا الدفع باتجاه الاستكشاف ضمن سياقه الأوسع؛ أي كجزء من معاوضةٍ تعزز الاستحواذ الإسرائيلي المستمر على الموارد الفلسطينية.

وقعت إسرائيل في السنوات القليلة الماضية، مذكرات تفاهم مع الفلسطينيين والحكومة الأردنية لتصدير الغاز إليهما من احتياطاتها الواقعة في حوض شرق المتوسط. ولاقت هذه المفاوضات، التي تمت في الخفاء، احتجاجا شعبياً ضعيفا في بادئ الأمر. لكن عندما شاع نبأ الصفقات، أخذ الفلسطينيون والأردنيون يعبئون ضد التطبيع مع إسرائيل من خلال صفقات الغاز، نظرا لاستمرار الاحتلال. وخرجت تقارير في الآونة الأخيرة، يُحتمل أن تكون استجابة لهذا الضغط الشعبي، تشكك في مستقبل صفقة الغاز الأولى التي تبرمها إسرائيل مع شركة توليد الطاقة الفلسطينية.

هذه الحالة من الشك وعدم اليقين، تُبرز التحدي الشعبي المتعاظم لصفقات الغاز الإقليمية التي تعمل “لجنة الرباعية” ووزارة الخارجية الأميركية على تمريرها كجزء من ترتيبٍ جيوسياسي أوسع. ولهذا السبب أيضا، عادت حقول الغاز الفلسطينية قبالة سواحل غزة إلى الظهور فجأة.

ما فتئت السلطات الفلسطينية تسعى إلى تطوير حقل غزة البحري منذ اكتشافه العام 1999، من أجل تعزيز الاقتصاد الفلسطيني وأمن الطاقة عموما. وعلى الرغم من جهودها الحثيثة، وقفت إسرائيل لها بالمرصاد، وحالت دون تطوير الحقل. غير أن إسرائيل لجأت الآن إلى حقل غزة البحري لمواجهة الاحتجاجات الشعبية، وأملاً في نيل شيء يسير من القبول لصفقات الغاز التي تبرمها مع الفلسطينيين والأردن.

فقد علت أصوات المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، وأفرادٍ مقربين من المفاوضات، بالحديث عن فوائد استكشاف حقل غزة البحري. ومن هؤلاء، مثلاً، آرييل إزراحي، مستشار الطاقة لممثل “الرباعية”، الذي أكّد أهمية مراعاة “البُعد الفلسطيني لهذه الصفقات” من أجل تذليل الصعوبات السياسية التي تواجهها الأطراف المحتمل أن تكون راغبةً في شراء الغاز الإسرائيلي. فبيع الغاز الفلسطيني بموازاة الغاز الإسرائيلي، سيمكِّنُ الحكومة الأردنية والسلطة الفلسطينية من الالتفاف على المعارضة الشعبية. وهكذا صار حقلُ غزة البحري، في الواقع، رصيدا استراتيجيا لإسرائيل، وعنصرا حاسمًا في مخططاتها لبيع غازها.

سوف تسير المفاوضات على النحو التالي: تسمح إسرائيل لغزة باستكشاف غازها واستخراجه، بل ومن المحتمل أيضا تصديره إلى الضفة الغربية والأردن. في المقابل، سوف يتعين على الأردن والسلطة الفلسطينية الالتزام بشراء كمية معينة من الغاز الإسرائيلي. وهكذا، يتسنى للحكومة الأردنية والسلطة الفلسطينية تهدئة الاحتجاجات الشعبية من خلال الادعاء بأنهما كانتا سببا في استكشاف حقل غزة البحري تحقيقا للمنفعة الفلسطينية كما لا يخفى على أحد. وفي المقابل، ستجد إسرائيل لغازها سوقا جاهزة وملتزمة.

وتجني إسرائيل فوائد أخرى كذلك. فحين تسمح باستخراج الغاز من حقل غزة البحري، قد يتسنى لموردين آخرين في مجال الغاز أن يدخلوا السوق الإسرائيلية. وهذا من شأنه أن يطمئن واضعي اللوائح التنظيمية الذين وضعوا العراقيل في سبيل تطوير موارد الغاز الإسرئيلية، لأنها تخضع حاليا لاحتكار ائتلاف شركة مجموعة “ديليك” المحدودة الإسرائيلية وشركة “نوبل إنرجي” ومقرها هيوستن، وهما مساهمتان رئيستان في قطاع الغاز الإسرائيلي.

إن تطوير حقل غزة البحري سيكون بلا شك خطوة إيجابية. لكن لا يجب أن يكون استكشاف احتياطات الغاز الفلسطينية مشروطا حصرا بإبرام إسرائيل اتفاقات شراء مع البلدان المجاورة لتأمين بيع غازها. فاختطاف احتياطات الغاز الفلسطينية على هذا النحو يعزز سيطرة إسرائيل على الموارد الفلسطينية، وتلاعبها بها لتحقيق مصالحها. لذا، يجب على الأردن والفلسطينيين أن يدعموا تطوير حقل غزة البحري باعتباره تأكيدا بسيطا للسيادة الفلسطينية على مواردها، من دون الالتزام بتقديم أي مقابل.

ثانيًا، ثمة فرقٌ شاسع بين حقل “لڤياثان” الإسرائيلي وحقل غزة البحري من حيث حجم الاحتياطات. فالغاز الفلسطيني سوف ينفد حتى قبل أن تبدأ صادرات “لڤياثان” في الانحسار بوقتٍ طويل. إنّ إسرائيل، بإجبارها البلدان المجاورة على شراء الغاز الإسرائيلي مقابل استكشاف حقل غزة البحري، تُؤسس للاعتماد على الغاز الإسرائيلي في نهاية المطاف بعدما ينفد الغاز الفلسطيني.

وهذا المستقبل يصفه وزير الطاقة والمياه الإسرائيلي سيلفان شالوم بقوله: “إسرائيلُ ماضية لأن تصبح دولة عظمى في مجال الطاقة، تورِّد احتياجات جيرانها من الطاقة وتعزز مكانَتها كمصدّر مركزي لإمدادات الطاقة في المنطقة، وأنا أرحب بذلك”. وهذا يحمل في طياته تداعيات وخيمة على الأردنيين والفلسطينيين؛ إذ يصبح أمنهم في مجال الطاقة معتمدا على إسرائيل، حتى وهي مبقيةٌ على احتلالها.

تتمثل المشكلة الحقيقية الكامنة وراء هذه التطورات في فكرة أن السلام الاقتصادي قادرٌ على أن يمهد الطريق لتسوية سياسية تستغني عن الوفاء بالحقوق المعترف بها عالميا. وهذه المقاربة تقولب جهود وزارة الخارجية و”الرباعية” المبذولة من أجل دمج الأردن وإسرائيل والفلسطينيين (بل ودمج بلدانٍ أبعدَ جغرافيا في نهاية المطاف، مثل مصر وقبرص وتركيا) في سوق واحدة للطاقة.

وفي إطار ترويج “البُعد الفلسطيني”، تحقيقا للمصالح الإسرائيلية، قال إزراحي: “أنا أعمل في الطاقة، لا في السياسة. لذا فإني لا أتحدث عن رؤية للسلام”. بيد أنه لا يمكن فصل صفقات الطاقة والتعاون الإقليمي عن الواقع السياسي، تماما مثلما لا يمكن للسلام الاقتصادي أن يكون واعدا ومبشرا من دون تسوية سياسية عادلة ودائمة.

إن جعل الأردنيين والفلسطينيين معتمدين على إسرائيل الماضية لأن تصبح “القوة الإقليمية العظمى” في مجال الطاقة، يفاقم اختلال ميزان القوة الكامن في صميم هذا الصراع. فينبغي للسلطات الأردنية والفلسطينية أن تلتفت إلى المعارضة الشعبية، وأن تعي أن إبرام أي صفقة اقتصادية لا بد وأن يخدم الحقوق الفلسطينية، لا أن يسعى للالتفاف عليها. فالتكامل الاقتصادي لن يساهم في إحلال سلام دائم إلا عندما تتحقق هذه الحقوق.

طارق بقعوني هو عضو في “الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية”، وباحث في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأميركية. لقد تم نشر هذا المقال في جريدة الغد الأردنية 

No comments yet.

Leave a Reply